محمد حسين هيكل

108

حياة محمد ( ص )

محمدا . فهل تراهم عنوا بالأمر وبعثوا يستردون المسلمين لأنهم رأوا أن حماية النجاشي إيّاهم بعد سماعه أقوالهم قد تكون ذات أثر في إقبال أهل جزيرة العرب على دين محمد واتباعهم إياه ؟ أم هم خافوا ، إن بقي هؤلاء في الحبشة ، أن تشتد شوكتهم ، فإذا عادوا بعد ذلك لمعونة محمد عادوا أقوياء بالمال والرجال ؟ كان الرسولان عمرو بن العاص وعبد اللّه بن أبي ربيعة . وقد دفعا إلى النجاشي وإلى بطارقته بالهدايا كي يرد المهاجرين من أهل مكة إليها . ثم قالا : أيها الملك إنه قد ضوى « 1 » إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك ، وجاؤوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت . وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردّهم إليهم ؛ فهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه » . وكان السفيران قد اتفقا مع بطارقة النجاشي بعد أن أتحفاهم بهدايا أهل مكة أن يعاونوهم على ردّ المسلمين إلى قريش دون أن يسمع النجاشي كلامهم ، فأبى النجاشي أن يفعل حتى يسمع ما يقولون ، وبعث في طلبهم . فلما جاؤوا سألهم . ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا به في ديني ولا دين أحد من هذه الملل ؟ رد المسلمين على السفيرين فكان الذي كلّمه جعفر بن أبي طالب ، قال : « أيها الملك ، كنّا قوما أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القويّ منا الضعيف . فكنا على ذلك حتى بعث اللّه إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى اللّه لنوحده ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكفّ عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات ، وأمرنا أن نعبد اللّه ولا نشرك به شيئا . وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام - وعدّد عليه أمور الإسلام - فصدقناه به واتبعناه على ما جاء به من اللّه . فعبدنا اللّه وحده لا نشرك به شيئا . وحرّمنا ما حرّم علينا ، وأحللنا ما أحلّ لنا ، فعدا علينا قومنا فعذّبونا وفتنونا عن ديننا ليردّونا إلى عبادة الأوثان من عبادة اللّه ، وأن نستحلّ ما كنا نستحل من الخبائث . فلما قهرونا وظلمونا وضيّقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك واخترناك على من سواك ؛ ورغبنا في جوارك ورجونا ألّا نظلم عندك » . فقال النجاشي : « وهل معك مما جاء به عن اللّه من شيء تقرؤه عليّ ؟ » . قال جعفر : نعم ! وتلا عليه سورة مريم من أوّلها إلى قوله تعالى : فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا . قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا . وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا . وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا . وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ) « 2 » . جواب النجاشي والبطارقة فلما سمع البطارقة هذا القول مصدّقا لما في الإنجيل أخذوا وقالوا : هذه كلمات تصدر من النبع الذي صدرت منه كلمات سيدنا يسوع المسيح . وقال للنجاشي : إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة . انطلقا واللّه لا أسلمهم إليكما . فلما كان الغد عاد ابن العاص إلى النجاشي فقال له : إن المسلمين

--> ( 1 ) ضوى : أتى . ( 2 ) سورة مريم الآيات من 29 إلى 33 .